ابن رشد

69

تهافت التهافت

بالمكان ، فإنا نقول : هل كان في قدرة اللّه تعالى أن يخلق الفلك الأعلى في سمكه أكبر مما خلقه بذراع ؟ فإن قالوا لا ، فهو تعجيز . وإن قالوا : نعم ، فبذراعين ، وثلاثة أذرع ، وكذلك يرتقي الأمر إلى غير نهاية . فنقول : في هذا إثبات بعد وراء العالم ، له مقدار وكمية . إن الأكبر بذراعين أو ثلاثة يشغل مكانا أكبر مما كان يشغله الآخر بذراعين أو ثلاثة . فوراء العالم بحكم هذا كمية تستدعي ذا كمية وهو الجسم أو الخلاء . فوراء العالم خلاء أو ملاء ، فما الجواب عنه ؟ وكذلك هل كان اللّه قادر على أن يخلق كرة العالم أصغر مما خلقها بذراع أو بذراعين ؟ وهل بين التقديرين تفاوت فيما ينتفي من الملاء ويبقى ، والشغل للأحياز ؟ إذ الملاء المنتفي عند نقصان ذراعين ، أكثر مما ينتفي عند نقصان ذراع ، فيكون الخلاء مقدرا ؛ والخلاء ليس بشيء ، فكيف يكون مقدرا ؟ وجوابنا في تخيل الوهم تقدير الإمكانات الزمانية قبل وجود العالم ، كجوابكم في تخيل الوهم تقدير الإمكانات المكانية وراء وجود العالم ولا فرق . قلت : هذا الإلزام صحيح إذا جوز تزايد مقدار جسم العالم إلى غير نهاية . وذلك أنه يلزم على هذا أن يوجد عن الباري سبحانه شيء متناه يتقدمه إمكانات كمية لا نهاية لها . وإذا جاز هذا في إمكان العظم جاز في إمكان الزمان ، فيوجد زمان متناه من طرفه وإن كان قبله إمكانات زمنية لا نهاية لها . والجواب عن هذا : أن توهم كون العالم أكبر ، أو أصغر ، ليس بصحيح ، بل هو ممتنع . وليس يلزم من كون هذا ممتنعا ، أن يكون توهم إمكان عالم قبل هذا العالم ممتنعا ، إلا لو كانت طبيعة الممكن قد حدثت ، ولم يكن قبل وجود العالم هناك إلا طبيعتان : طبيعة الضروري وطبيعة الممتنع . وهو بيّن إذ حكم العقل على وجود الطبائع الثلاث لم تزل ولا تزال : الممكن ، والضروري ، والممتنع . كحكم العقل على الضروري والممتنع فقط ، ولا يزال كحكمه على وجود الضروري والممتنع . وهذا العناد لا يلزم الفلاسفة لأنهم يعتقدون أن العالم ليس يمكن أن يكون أصغر مما هو ولا أكبر . ولو جاز أن يكون عظم أكبر من عظم ويمر ذلك إلى غير النهاية ، لجاز أن يوجد عظم لا آخر له . ولو جاز أن يوجد عظم لا آخر له ، لوجد عظم بالفعل لا نهاية له ، وذلك مستحيل . وهذا شيء قد صرح به أرسطو . أعني أن التزيد في العظم إلى غير نهاية مستحيل . وأما على رأي من يجوز ذلك المكان ما يلحقه من عجز الخالق ؛ فإنه يصح له هذا العناد ، لأن